.png)
يعدّ مضيق هرمز الشريان الأكثر حيوية في تجارة الطاقة العالمية، إلا أنه يمثل دائماً نقطة ضغط جيوسياسية قد تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، تبرز الرؤية الاستباقية للمملكة العربية السعودية، التي لم تترك أمنها الاقتصادي رهيناً للجغرافيا، بل استثمرت في مشاريع لوجستية عملاقة تضمن تدفق الصادرات والواردات بعيداً عن أي توترات إقليمية.
في عالم اللوجستيات، البديل ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الأعمال (Business Continuity). ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تهدد الممرات المائية، تبرز قصة نجاح سعودية بدأت برؤية ملكية حكيمة، وتحولت اليوم إلى عمود فقري للأمن القومي والاقتصادي للمملكة وللعالم أجمع.
لم يكن بناء خطوط نقل عملاقة عبر شبه الجزيرة العربية وليد الصدفة، بل جاء بقرار استراتيجي من الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- في منتصف السبعينيات، حينما وجه بالبدء في تنفيذ واحد من أضخم مشاريع الطاقة والخدمات اللوجستية في العالم. لقد كانت الرؤية تهدف لتسخير الثروة لبناء قاعدة اقتصادية لا ترتهن للمتغيرات الجغرافية.
وكما جاء في أحد خطاباته -رحمه الله- حول التنمية والبنية التحتية:
"إننا نسعى لتسخير الثروة لبناء قاعدة اقتصادية متينة لا تتأثر بالمتغيرات، ولتكون بلادنا جسراً يربط القارات ببعضها في أمن واستقرار."
في عام 1981م، ومع اكتمال هذا المشروع العملاق "خط الأنابيب شرق-غرب" (Petroline)، دشن الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- مرحلة جديدة من السيادة اللوجستية. في ذلك المحفل التاريخي، ألقى الملك فهد كلمة جسدت البعد الاستراتيجي للمشروع، قائلاً:
"إن هذا المشروع ليس مجرد أنابيب تمتد تحت الأرض، بل هو شريان حياة جديد ينقل اقتصادنا من ضفة إلى ضفة، ويمنحنا الحرية الكاملة في تصدير مواردنا للعالم عبر بوابتنا الغربية، بعيداً عن أي عوائق جغرافية." (المصدر: صحيفة أم القرى - الجريدة الرسمية).
يعتبر هذا الخط (AY-1L) حجر الزاوية في حل مشكلة مضيق هرمز وإليك أهم خصائصه:
لم تتوقف الطموحات عند نقل النفط، بل امتدت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- لتشمل تحويل المملكة بالكامل إلى منصة لوجستية عالمية. وقد أكد الملك سلمان في خطابه السنوي بمجلس الشورى على:
"رفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتعزيز الربط بين موانئ المملكة ومحيطها الإقليمي والدولي، لتكون المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط ثلاث قارات."
هذا التوجه يظهر جلياً في مشاريع وزارة النقل والخدمات اللوجستية، وعلى رأسها "الجسر البري السعودي"، الذي سيعمل جنباً إلى جنب مع خطوط الأنابيب لنقل الحاويات والبضائع من الخليج إلى البحر الأحمر براً، متجاوزاً بذلك ضرورة المرور بمضيق هرمز أو الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية.
بالنسبة لنا في القطاع اللوجستي، فإن التجربة السعودية تثبت أن إدارة المخاطر (Risk Management) هي جوهر النجاح. قدرة المملكة على تحويل مسار إمداداتها خلال ساعات تعكس:
الخاتمة:
إن قصة عبور المملكة نحو البحر الأحمر هي تجسيد حي لمفهوم اللوجستيات الوطنية. نحن نستلهم من هذه المسيرة العظيمة أهمية بناء حلول ذكية ومرنة لعملائنا، تضمن استدامة أعمالهم مهما كانت التحديات. فالمكانة التي وصلت إليها المملكة اليوم، هي ثمرة قرارات تاريخية ورؤية مستقبلية صلبة جعلت من المملكة "قلب العالم اللوجستي".

.jpg)
RODUD
مريم عبدالرحمن الحربي